عقدت الدورة الثانية لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بالقاهرة 4 الجارى بين جمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان في محطة مفصلية تعكس انتقال العلاقات من مرحلة “إعادة التطبيع” إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية شاملة جاءت هذه الاجتماعات في سياق دولي مضطرب اقتصاديًا وجيوسياسيًا وفي لحظة إقليمية تتطلب تنسيقًا أكبر بين القوى الإقليمية الكبرى لضمان الاستقرار وتعظيم المصالح المشتركة وقد أسفرت الدورة عن بيان مشترك تضمن 40 بندا من الاتفاقات ومذكرات التفاهم والتوجهات الاستراتيجية بما يعكس عمق واتساع مجالات التعاون بين البلدين، ونعرض للآتى :-
أولًا- إعادة هيكلة العلاقة على أسس مؤسسية:
أبرز النتائج هو الانتقال بالعلاقات المصرية–التركية من مسار سياسي تصحيحي إلى شراكة مؤسسية متعددة المستويات وتأسيس مسارات متابعة تنفيذية للبنود الأربعين للبيان الختامى حيث جاءت التجارة والاستثمار في الصدارة بـ8 بنود تلتها الصناعة والتصنيع بـ6 بنود ثم الطاقة والطاقة المتجددة بـ5 بنود والنقل واللوجستيات بـ4 بنود والدفاع والأمن بـ4 بنود ثم الصحة والدواء والتعليم والثقافة والزراعة والأمن الغذائي بـ3 بنود لكل منها وأخيرًا التكنولوجيا والتحول الرقمي والشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية بـ2 بند لكل مجال وهذا التوزيع يعكس بوضوح أن ما يقرب من 58% من البنود تركز على الاقتصاد الحقيقي والإنتاج والتجارة وهو مؤشر قوي على أن الشراكة الجديدة بين مصر وتركيا ذات طابع اقتصادي استثماري بالأساس مع الحفاظ على أبعاد أمنية ومجتمعية متوازنة.
ثانيًا- التبادل التجاري:
كان أحد المحاور المركزية في اجتماعات المجلس بهدف تعظيم العائد الاقتصادي للعلاقات الثنائية حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا نحو 9 مليارات دولار في عام 2025 وهو رقم قياسي في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين البلدين وقد اتفق الطرفان على العمل على رفع هذا الرقم إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028 من خلال تسهيل الإجراءات الجمركية وتطوير الموانئ والنقل البحري وتعزيز الشراكات بين القطاع الخاص بالبلدين .
ثالثاً- الاستثمارات المتبادلة :
1- الاستثمارات التركية في مصر: بلغت الاستثمارات التركية السنوية في مصر 175.1 مليون دولار في العام المالي 2024/2025 ارتفاعًا من 165 مليون دولار في العام المالي السابق وهو ما يمثل اتجاها تصاعديًا في السنوات الأخيرة وبلغ حجم الاستثمارات التركية التراكمية في مصر حوالى 4 مليارات دولار من خلال أكثر من 1700 شركة تعمل في السوق المصرية في قطاعات تشمل الغزل والنسيج، والكيماويات، والسياحة، واللوجستيات.
2-بلغت الاستثمارات المصرية السنوية في تركيا نحو 74 مليون دولار خلال 2024/2025 مقارنة بـ54 مليون دولار في العام المالي 2023/2024 مما يشير إلى اتجاه تصاعدي مستمر في التدفقات الاستثمارية المصرية إلى السوق التركية ورغم أن الأرقام السنوية لا تعكس الرصيد التراكمي الكامل للاستثمارات المصرية في تركيا فإن الاتجاه العام يشير إلى زيادة تدريجية في الثلاث سنوات الأخيرة مدفوعًا برغبة الشركات المصرية في الاستفادة من السوق التركية كمنفذ نحو أوروبا وآسيا .
رابعاً- تحويلات العمالة — تدفقات مالية متنامية:
1-تحويلات المصريين في تركيا:-
بلغت تحويلات المصريين العاملين في تركيا نحو 69.7 مليون دولار خلال العام المالي 2024/2025 مقارنة بـ32.3 مليون دولار في العام المالي السابق أي ما يعادل زيادة بأكثر من 115 % في سنة واحدة وهو مؤشر قوي على توسع حجم العمالة المصرية في تركيا وتأثيرها في تدفقات العملة الصعبة إلى مصر.
2-تحويلات الأتراك في مصر:-
بلغت تحويلات العمالة التركية في مصر حوالي 11.1 مليون دولار خلال 2024/2025 مرتفعة من 9.4 مليون دولار في العام المالي السابق وهو ارتفاع متواضع لكنه يعكس وجود طبقة من العمالة التركية بالمشروعات المحلية.
وبتجميع تدفقات التحويلات على مدار السنوات الماضية نلاحظ أن تحويلات المصريين في تركيا شهدت نموًا أسرع من نظرائهم الأتراك في مصر وهو ما يتطلب سياسات تنسيقية لاحتواء تدفقات العمالة الماهرة وتحفيز الاستثمار في التدريب المهني المشترك .
خامسًا- الأبعاد الإقليمية والدولية:
أشار الجانبان فى البيان الختامى على تنسيق المواقف الدولية حول قضايا إقليمية حيوية بما في ذلك جهود إحلال السلام في غزة ودعم الحل السياسي في سوريا وليبيا والتعاون في مكافحة الإرهاب وهو ما يعكس فهمًا مشتركًا لضرورة التعامل مع هذه الأزمات بآليات دبلوماسية متوازنة إن لم تكن بالوسائل العسكرية .
سادسًا- التحديات وآفاق التنفيذ: على الرغم من النتائج الإيجابية فان الشراكة بين البلدين تواجه بعض التحديات التنفيذية أهمها:-
- ضرورة تسريع تنفيذ مشروعات الشراكة الصناعية المشتركة وتعزيز الإطار التشريعي للاستثمارات وحماية المستثمرين في البلدين.
- تكامل سلاسل الإمداد والتوريد عبر الموانئ والنقل البري وبناء مؤشرات أداء قابلة للقياس للرصد والتقييم المستمر.
ومع ذلك تظل الفرص واعدة خاصة في ربط المشروعات الصناعية والتجارية بسلاسل القيمة في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط .
هذا ، وتُظهِر نتائج الدورة الثانية لمجلس التعاون الاستراتيجي بين مصر وتركيا تطورًا نوعيًا في العلاقات الثنائية نحو شراكة استراتيجية قائمة على مؤشرات تنفيذية وإحصاءات اقتصادية قوية فالتجارة تتوسع والاستثمارات المتبادلة في اتجاه تصاعدي وتحويلات العمالة تقدم نموذجًا جديدًا للتعاون المالي والاجتماعي بين البلدين.
وإذا تمكنت كل من القاهرة وأنقرة فى ترجمة هذه البنود إلى واقع اقتصادي ملموس فإن هذه الشراكة قد تصبح ركيزة مركزية في إعادة رسم التعاون الاقتصادي في شرق المتوسط وشمال أفريقيا وتقديم نموذج لإدارة الشراكات الإقليمية في زمن التحولات العالمية، وأن مستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين سيتم تعميقها مستقبلا دون أن تصل لمرحلة التحالف الاستراتيجى الكامل فى الوقت الراهن على الأقل، مع قبول البلدين لمبدأ اختلاف الرؤى فى بعض المواقف مع تعميق التنسيق فى الملفات المتفق عليها .
الوزير المفوض الدكتور/ منجى على بدر
عضو مجلس ادارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



