تأتي جولة الإعادة لانتخابات البرلمان المصرية المنعقدة في الداخل يومي 3 و4 يناير 2026 لتغلق فصلًا إجرائيًا طويلًا من تشكيل السلطة التشريعية وتفتح في الوقت ذاته فصلًا آخر يتعلق بجوهر الدور البرلماني في مرحلة تتسم بتحولات اقتصادية عميقة وضغوط اجتماعية متزايدة وبيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب وفي هذا السياق، لا يُقاس نجاح البرلمان الجديد بحدود اكتمال تشكيله، بل بقدرته على الانتقال من شرعية التمثيل إلى شرعية الإنجاز.
المشاركة الانتخابية: قراءة في السياق لا في الأرقام :-
إذا تجاوزنا الجدل التقليدي حول نسب المشاركة فان الانتخابات البرلمانية المصرية تعكس نمطًا مألوفًا في الدول التي تمر بمراحل إعادة هيكلة اقتصادية واجتماعية فالمشاركة لم تكن متجانسة جغرافيًا أو اجتماعيًا حيث ارتبط الإقبال بدرجة التنافس المحلي وبمدى شعور الناخب بوجود أثر مباشر لصوته على مستوى الخدمات والتنمية.
وهذا الواقع لا يشير بالضرورة إلى عزوف سياسي بقدر ما يعكس تحوّلًا في سلوك الناخب من الانخراط الأيديولوجي إلى التقييم البراجماتي للأداء كما أن امتداد العملية الانتخابية على مراحل متعددة مع جولات إعادة طرح تحديات تتعلق بمدى وضوح النظام الانتخابي وكفاءته وهي قضايا مرشحة لأن تكون ضمن أجندة الإصلاح السياسي والتشريعي في المرحلة المقبلة .
برلمان جديد في بيئة اقتصادية وسياسية ضاغطة:-
سيعمل البرلمان المصري الجديد في ظل اقتصاد يمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتسم بإصلاحات مالية ونقدية ومحاولات لإعادة التوازن بين دور الدولة والقطاع الخاص في وقت تتزايد فيه التحديات الاجتماعية المرتبطة بالتضخم وفرص العمل ومستويات المعيشة ومن هنا، يصبح الدور التشريعي أكثر حساسية إذ لم يعد كافيًا إقرار القوانين، بل بات مطلوبًا تقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية بشكل مستمر.
وفي هذا الإطار، يبرز التحدي المتمثل في صياغة تشريعات تحفّز الاستثمار والإنتاج والتصدير دون الإخلال بمبادئ العدالة الاجتماعية أو خلق اختلالات هيكلية جديدة ويتطلب ذلك تحديث منظومة القوانين المنظمة للاستثمار والضرائب والشركات والإفلاس بما يعزز تنافسية الاقتصاد المصري إقليميًا ويحد من البيروقراطية ويوفر بيئة أكثر استقرارًا للأعمال .
الرقابة البرلمانية على القطاع الخاص فهو شريك لا طرف فوق المساءلة:-
تشير التجارب الدولية المقارنة أن البرلمانات تلعب دورًا محوريًا في ضمان أن يكون القطاع الخاص شريكًا في التنمية لا مجرد مستفيد من السياسات العامة وفي الحالة المصرية يكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ظل التوسع المتوقع لدور القطاع الخاص (تنفيذ 65% من الاستثمارات) فى قطاعات استراتيجية مثل الصناعة والطاقة والبنية التحتية والخدمات وهنا، لا تعني الرقابة البرلمانية تقييد النشاط الاقتصادي بل وضع أطر واضحة للمنافسة العادلة ومنع الممارسات الاحتكارية وضمان التزام الشركات بالمعايير البيئية والاجتماعية وحماية حقوق العمال والمستهلكين كما تشمل الرقابة متابعة فعالية الحوافز الحكومية والتأكد من ارتباطها بأهداف إنتاجية وتصديرية حقيقية وليس بتحقيق أرباح قصيرة الأجل.
المجتمع المدني: من العمل الخيري إلى الشراكة التنموية:-
إلى جانب دور القطاع الخاص يبرز دور المجتمع المدني كأحد الموارد غير المستغلة بالكامل في مسار التنمية ويقع على عاتق البرلمان دور مزدوج: من جهة توفير إطار تشريعي يضمن حرية العمل المدني والشفافية والمساءلة ومن جهة أخرى متابعة وتقييم الأثر التنموي الفعلي لمؤسسات المجتمع المدني خاصة تلك العاملة في مجالات التعليم والصحة وبناء القدرات والتنمية المحلية.
إن دمج المجتمع المدني في منظومة التنمية المستدامة يتطلب انتقالًا من نمط التدخلات الجزئية إلى برامج متكاملة تتماشى مع أولويات الدولة وخططها التنموية وهو ما لا يمكن تحقيقه دون إشراف تشريعي ورقابي يضمن التنسيق ويمنع الازدواجية ويعظم العائد الاجتماعي للموارد المتاحة .
البعد الإقليمي والدولي للتشريع:-
فى ضوء إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتوريد العالمية وتصاعد الحمائية الاقتصادية وانحسار العولمة تدريجيا وتزايد أهمية التكتلات الإقليمية يصبح للتشريع الوطني أبعاد تتجاوز الداخل فالبرلمان المصري مطالب بمراجعة الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية من منظور المصلحة الوطنية طويلة الأجل ومتابعة انعكاساتها على توطين الصناعة الوطنية والأمن الغذائي وسوق العمل.
كما أن الدبلوماسية البرلمانية تمثل أداة ناعمة لتعزيز الحضور المصري في المحافل الدولية خاصة في القضايا المرتبطة بالتنمية المستدامة والتغير المناخي والتمويل الأخضر وهي مجالات باتت مرتبطة بشكل مباشر بتدفقات الاستثمار والتعاون الدولي .
من شرعية التمثيل إلى شرعية التنمية
يقف مجلس النواب المصري الجديد أمام اختبار يتجاوز حدود السياسة التقليدية فالمطلوب ليس فقط سنّ القوانين أو ممارسة الرقابة، بل حشد وتنسيق كافة موارد الدولة الحكومية والخاصة والمجتمعية في إطار تنموي متكامل يحقق نموًا مستدامًا ويعزز ثقة المواطن ويرسخ مكانة مصر في محيطها الإقليمي والدولي.
إن نجاح البرلمان في هذه المهمة سيحدد ما إذا كانت الانتخابات قد مثلت مجرد استحقاق دستوري أم نقطة انطلاق حقيقية نحو نموذج تنموي أكثر توازنًا وكفاءة واستدامة.
الوزير المفوض الدكتور/ منجى على بدر
عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



