الإثنين, 2 مارس, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

الحرب الإيرانية على الخليج وتأثيرها على الاقتصاد السعودي

في أعقاب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، أطلقت طهران حملة انتقامية واسعة استهدفت منشآت حيوية في دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين. ولقد شملت الهجمات التي بدأت يوم الأحد 1 مارس 2026 صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية وموانئ ومطارات دولية وقواعد عسكرية أمريكية، مما خلق حالة من عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية من النفط والغاز.

 

ولقد تعرضت في صباح اليوم الاثنين 2 مارس، مصفاة رأس تنورة السعودية لهجوم بطائرات مسيرة إيرانية أدى إلى اندلاع حريق محدود تم احتواؤه. وتعد هذه المصفاة التي تعالج نحو 550 ألف برميل يوميًا، واحدة من أكبر مصافي الشرق الأوسط، أوقفت بعض وحداتها التشغيلية كإجراء احترازي. أكدت الوكالة السعودية الرسمية أن المصفاة تعرضت لأضرار محدودة نتيجة حطام من اعتراض طائرتين مسيرتين، دون وقوع إصابات بشرية، لكن التوقف المؤقت يعني انقطاعًا في الإنتاج والتصدير من أحد أهم المرافق النفطية في المملكة.

 

وجاء رد فعل الأسواق سريعًا وحادًا. قفز سعر خام برنت عند افتتاح التداولات يوم الاثنين بنسبة 13% ليتجاوز 82 دولاراً للبرميل، قبل أن يستقر عند نحو 79 دولاراً بارتفاع 9% عن إغلاق الجمعة. خام غرب تكساس الأمريكي ارتفع بنسبة 8% ليصل إلى نحو 72 دولاراً للبرميل. جاء هذا الارتفاع بعد أن كانت أسعار النفط قد سجلت بالفعل ارتفاعًا بنسبة 17% منذ بداية العام بسبب الخطابات التصعيدية من إدارة ترامب ضد إيران وتشديد العقوبات.

 

والمثير للقلق هو التأثير على مضيق هرمز، الممر الاستراتيجي الذي يمر عبره حوالي 20% من تجارة النفط العالمية ومعظم صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية. أكثر من 150 ناقلة نفط وغاز أسقطت مراسيها في المياه المفتوحة خارج المضيق بعد أن توقفت شركات الشحن والتأمين عن تغطية الرحلات عبر المضيق. أصدرت إيران تحذيرات عبر ترددات لاسلكية بعدم السماح للسفن بالعبور، رغم أنها لم تغلق المضيق رسميًا. هذا التوقف شبه الكامل في حركة الناقلات يهدد بتعطيل الإمدادات العالمية إذا استمر لأسابيع أو أشهر.

 

أعلنت قطر وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد تعرض منشأتين تابعتين لشركة قطر للطاقة للهجوم، مما دفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا للارتفاع بنسبة 45% في جلسة واحدة. قطر مسؤولة عن نحو 20% من الصادرات العالمية من الغاز المسال، وتوقف الإنتاج يعني أزمة طاقة محتملة للدول الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الغاز القطري.

 

وفيما يخص الموازنة السعودية لعام 2026، كانت تواجه أصلاً تحديات كبيرة قبل هذه التطورات. الموازنة المقرة في ديسمبر 2025 تتوقع إيرادات بقيمة 1.147 تريليون ريال ونفقات بقيمة 1.313 تريليون ريال، بعجز قدره 165.4 مليار ريال (نحو 44 مليار دولار) يمثل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا العجز، رغم أنه أقل من العجز في 2025 البالغ 245 مليار ريال.

 

ولقد كانت الموازنة مبنية على افتراض سعر نفط تقديري يبلغ نحو 68 دولاراً للبرميل، وليس سعر التعادل الذي تحتاجه السعودية لتحقيق توازن مالي والذي يتراوح بين 90-96 دولاراً للبرميل. ارتفاع أسعار النفط الحالي إلى 79-82 دولاراً يوفر إيرادات إضافية قصيرة الأجل للمملكة، لكن هذه المكاسب محفوفة بمخاطر كبيرة.

 

تشمل التأثيرات الإيجابية المحتملة زيادة الإيرادات النفطية بسبب ارتفاع الأسعار، خاصة إذا استقرت الأسعار فوق 80 دولاراً لأسابيع أو أشهر. كل دولار إضافي في سعر النفط يوفر مليارات إضافية للموازنة السعودية. إذا وصلت الأسعار إلى 90-100 دولار كما يتوقع بعض المحللين في حال استمرار التوتر، فإن الإيرادات الإضافية قد تساعد في تخفيض العجز المتوقع بشكل كبير.

 

لكن المخاطر أكبر وأعمق. أولاً، توقف مصفاة رأس تنورة حتى مؤقتاً يعني خسائر تشغيلية مباشرة بملايين الدولارات يومياً، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الصيانة والإصلاح والتأمين على المنشآت. إذا استمر التوقف لأسابيع أو إذا تعرضت منشآت أخرى لهجمات، فإن الخسائر التراكمية قد تصل إلى مئات الملايين أو حتى المليارات من الدولارات.

 

ثانياً، اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتوقف أكثر من 150 ناقلة يعني تأخيرات كبيرة في شحن النفط السعودي للأسواق العالمية، خاصة الأسواق الآسيوية التي تمثل العملاء الرئيسيين للمملكة. التأخير يعني خسارة إيرادات، وارتفاع تكاليف الشحن والتخزين، وإمكانية فقدان حصة سوقية لصالح منافسين غير متأثرين بالأزمة. تكاليف التأمين على ناقلات النفط ارتفعت بشكل كبير، وهذه التكاليف ستنعكس على صافي الإيرادات.

 

ثالثاً، الأسواق المالية تعيد تسعير المخاطر. المؤشرات الأسهم العالمية انخفضت بأكثر من 1-2% يوم الاثنين، والأسهم المرتبطة بالقطاعات الاستهلاكية والسياحية تراجعت بشكل حاد. بالنسبة للسعودية، هذا يعني إعادة تقييم محتملة للمشروعات الكبرى ضمن رؤية 2030، خاصة في القطاعات المعتمدة على الاستقرار الإقليمي مثل السياحة والترفيه والطيران. المستثمرون الأجانب قد يؤجلون أو يعيدون النظر في استثماراتهم المخططة بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة.

 

رابعاً، إذا استمر التوتر لأسابيع أو أشهر، فإن التأثير على الاقتصاد العالمي سيكون كبيراً. ارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة التضخم في الاقتصادات المستوردة للنفط، وهذا قد يؤدي لركود اقتصادي عالمي يخفض الطلب على النفط ويعكس ارتفاع الأسعار الحالي. السعودية، رغم استفادتها قصيرة الأجل من الأسعار المرتفعة، ستتضرر من ركود عالمي يضعف الطلب على نفطها ويقلل الاستثمارات الأجنبية ويؤثر على مشاريع التنويع الاقتصادي.

 

خامساً، الدين العام السعودي كان متوقعاً أن يرتفع إلى 1.622 تريليون ريال (32.7% من الناتج المحلي) في نهاية 2026. استمرار حالة عدم اليقين قد يزيد تكلفة الاقتراض للمملكة في الأسواق الدولية، ويضعف التصنيف الائتماني، ويجعل تمويل العجز أكثر تكلفة.

 

وهناك توقعات في مؤسسات مثل Barclays وUBS بأن خام برنت قد يصل إلى 100-120 دولاراً للبرميل إذا استمرت الاضطرابات في مضيق هرمز أو إذا تصاعدت الحرب لتشمل تدمير المزيد من البنية التحتية النفطية في المنطقة. هذا السيناريو، رغم أنه يوفر إيرادات عالية جداً للسعودية على الورق، سيكون مصحوباً بمخاطر تشغيلية ولوجستية وأمنية هائلة تحول المكاسب السعرية إلى خسائر استراتيجية أعمق.

 

وخلاصة القول أن السعودية تواجه معادلة معقدة. المكاسب قصيرة الأجل من ارتفاع أسعار النفط قد لا تعوض الخسائر المحتملة من توقف الإنتاج، وتعطل الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وتراجع الاستثمارات. يعتمد النجاح في إدارة هذه الأزمة على قدرة المملكة على حماية منشآتها النفطية، واستعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز بأسرع وقت ممكن، والحفاظ على ثقة المستثمرين في استقرار المملكة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التنموية رغم التحديات الإقليمية الاستثنائية.

 

     إبـــراهـــيم الـــعـقــــباوي

  خبير الاقتصاد وأسواق المال

 

إنفينيتي الاقتصادية

ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.

ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.

كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة