الأربعاء, 14 يناير, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

النفط يفضح هشاشة النظام العالمي: قراءة نقدية من الخليج

ليست أزمة النفط الراهنة أزمة أسعار، بل أزمة نظام عالمي يرفض الاعتراف بتغير قواعده. فكلما ارتفعت الأسعار، تعالت الأصوات ذاتها مطالبةً بـ«تصحيح السوق»، وكأن السوق كيان منفصل عن السياسة، وعن الجغرافيا، وعن عقود من القرارات قصيرة النظر التي قادت إلى هذا المشهد.

 

من منظور استراتيجي خليجي، تبدو هذه الدعوات أقل اهتمامًا باستقرار الطاقة، وأكثر تعبيرًا عن عجز النظام الاقتصادي العالمي عن التكيّف مع واقع جديد لم يعد يسمح بالاستقرار منخفض الكلفة.

 

تسعير الخطر… لا تشويه السوق

 

الطرح السائد في بعض الدوائر الغربية يصوّر علاوة المخاطر الجيوسياسية على أنها تشويه مؤقت للأسعار. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية:

 

الخطر لم يعد استثناءً، بل أصبح القاعدة.

 

الممرات البحرية الحيوية، مناطق الإنتاج، والبنية التحتية للطاقة لم تعد تعمل في بيئة آمنة افتراضيًا. والأسواق، بطبيعتها، لا تُسعّر النوايا الحسنة، بل تُسعّر الاحتمالات. من هذا المنطلق، فإن ارتفاع النفط ليس نتيجة مبالغة، بل انعكاس منطقي لواقع عالمي أكثر تصدّعًا.

 

السعودية وأوبك+: إدارة التوازن لا إرضاء السوق

 

في خضم هذا المشهد، يبرز الدور السعودي داخل أوبك+ بوصفه إدارة واعية للاختلالات لا استجابة ظرفية لضغوط سياسية. فالدعوات المتكررة لفتح الصنابير تتجاهل أن السوق لا يحتاج إلى نفط إضافي فقط، بل إلى استثمارات طويلة الأجل، واستقرار سياسي، ورؤية واضحة للطاقة—وهي عناصر غابت عن كثير من الاقتصادات المستهلكة.

 

المفارقة أن الدول التي تقلّص استثماراتها في النفط تحت شعار التحول الطاقي، هي ذاتها التي تطالب المنتجين اليوم بتعويض هذا النقص فورًا. هذا التناقض ليس اقتصاديًا، بل استراتيجيًا، ويكشف خللًا في تصور العلاقة بين الطاقة والنمو.

 

النفط في الرؤية السعودية: أداة انتقال لا عبء

 

على عكس الخطاب السائد، لا تنظر السعودية إلى النفط كرهان وحيد أو مورد آيل للزوال، بل كـ رافعة انتقالية ضمن رؤية اقتصادية أشمل. رؤية 2030 لا تفترض نهاية النفط، بل تفترض استخدامه بذكاء: تمويل التنويع، دعم الاستقرار المالي، وبناء قطاعات قادرة على الصمود بعد النفط.

 

هنا تحديدًا يكمن الفارق الاستراتيجي. فبينما يناقش البعض «ما بعد النفط» نظريًا، تعمل السعودية على ما بعد الاعتماد الأحادي عمليًا، دون أن تقامر بأمن الطاقة أو استقرار الاقتصاد.

 

المستثمر الخليجي: قراءة مختلفة للمشهد

 

في هذا السياق، لا يرى المستثمر الخليجي في تقلبات النفط تهديدًا بقدر ما يراها إشارة إعادة تسعير عالمية للمخاطر. النفط هنا ليس أصلًا مضاربيًا، بل مؤشرًا على اتجاهات أوسع: ضعف اليقينيات، تآكل الثقة في السياسات النقدية، وتزايد أهمية الأصول الحقيقية.

 

الاستراتيجية الرشيدة لا تقوم على الخوف من ارتفاع الأسعار أو التعويل على انخفاضها، بل على فهم دور النفط ضمن محفظة أوسع من الأدوات الاستثمارية والتحوطية.

 

الخلاصة: العالم يطالب بالاستقرار… دون أن يدفع ثمنه

 

المشكلة الجوهرية ليست في سياسات المنتجين، ولا في التوترات الجيوسياسية وحدها، بل في خطاب عالمي يريد استقرارًا مجانيًا. يريد طاقة رخيصة، دون استثمار كافٍ. يريد أمن إمدادات، دون تحمل كلفة حمايتها. ويريد انتقالًا طاقيًا، دون فترة انتقال حقيقية.

 

من منظور خليجي وسعودي، هذه المعادلة غير قابلة للاستمرار. النفط لن يعود إلى لعب دور «الصمام الصامت» للاقتصاد العالمي. بل سيظل، في المرحلة المقبلة، أداة كشف:

يكشف هشاشة النظام، وتناقض خطابه، وحدود قدرته على إدارة عالم أكثر اضطرابًا.

 

ومن لا يعترف بهذه الحقيقة اليوم، لن يستطيع إدارة تداعياتها غدًا.

 

رسالة إلى صُنّاع القرار: الاستقرار لا يُدار بالإنكار

 

إلى صُنّاع القرار في العواصم الكبرى، لم يعد ممكنًا إدارة ملف الطاقة بعقلية البيانات الفصلية أو الخطابات السياسية قصيرة الأجل. أمن الطاقة ليس بندًا تفاوضيًا، ولا النفط أداة ضغط ظرفية تُستدعى عند الحاجة ثم يُطلب تجاهلها. إن تجاهل واقع المخاطر الجيوسياسية، وتآكل الاستثمار في الطاقة التقليدية دون بدائل جاهزة، لن يخفض الأسعار، بل سيضاعف التقلبات ويعمّق عدم اليقين.

 

العالم اليوم لا يحتاج وعودًا جديدة، بل قرارات صريحة: إما الاعتراف بأن الاستقرار له ثمن يجب دفعه سياسيًا واستثماريًا، أو الاستعداد لتحمّل كلفة فوضى طاقية تتجاوز النفط إلى النمو، والتضخم، والأمن الاقتصادي العالمي. فالطاقة لا تُدار بالأمنيات، والأسواق لا تنتظر من يرفض قراءة الواقع.

 

إنفينيتي الاقتصادية

ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.

ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.

كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة