لم تعد الصراعات الدولية تُدار فقط حول مناطق النزاع الساخنة أو بؤر التوتر التقليدية، بل امتدت إلى الجغرافيا الباردة التي كانت لعقود خارج حسابات السياسة العالمية حيث فجّرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جرينلاند جدلًا كبيرا ليس بسبب غرابتها فحسب، بل لأنها كشفت تحوّلًا عميقًا في منطق القوة الدولية فهى جزيرة متجمدة قليلة السكان لكنها تمتلك موقعًا استراتيجيًا فريدًا وثروات واعدة أصبحت فجأة محور نقاش عالمي يتقابل فيه الأمن القومي والموارد الطبيعية والتغير المناخي ومستقبل التجارة العالمية.
وفكرة ضم أو شراء جرينلاند ليست جديدة في التاريخ الأمريكي حيث طرحتها الولايات المتحدة رسميًا عام 1867 ثم بعد الحرب العالمية الثانية عام 1946 والجديد في طرح الرئيس ترامب هو السياق الدولي وليست الفكرة ذاتها حيث نظرت إدارة ترامب إلى العالم من منظور “القوة الصلبة” والمصلحة المباشرة واعتبرت الفراغات الجيوسياسية لا تدوم ومع تصاعد التنافس في القطب الشمالي بدا لواشنطن أن جرينلاند تمثل “حلقة مفقودة” في منظومة الأمن القومي الأمريكي.
وفى هذا الشأن ، نعرض لما يلي :-
أولًا: جرينلاند في السياق الجغرافي–السياسي الجديد ليست أرضًا عادية فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تتجاوز 2.16 مليون كيلومتر مربع وعدد سكان لا يتجاوز حوالي 56 ألف نسمة لكنها تقع في نقطة تماس جيوسياسية نادرة بين أمريكا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي وتاريخيًا ظلت الجزيرة هامشية في النظام الدولي لكن أعادت التحولات المناخية والتكنولوجية ابراز قيمتها الاستراتيجية.
واليوم لم تعد جرينلاند مجرد إقليم تابع للدنمارك، بل جسر جغرافي يربط بين منظومة الإنذار المبكروالدفاع الصاروخي الأمريكي وطرق الملاحة القطبية الناشئة وأشعلت سباق الموارد والمعادن النادرة.
ووفق بعض التقديرات فإن الجزيرة تحتوي على نحو 25 من أصل 34 معدنًا حيويًا تعتبرها المفوضية الأوروبية ضرورية للصناعات المستقبلية مما يجعلها في قلب معادلات الطاقة والتكنولوجيا العالمية خاصة وأن الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على وارداتها لهذه المعادن من الخارج . وهذا التحول جعل الجزيرة تنتقل من الهامش إلى المركز في حسابات القوى الكبرى.
ثانيًا: إحياء الطرح الأمريكى من التصريح إلى الاستراتيجية
رغم الطابع الصادم لتصريحات ترامب فإن إعادة طرح فكرة السيطرة على جرينلاند لا يمكن فصلها عن مسار استراتيجي أمريكي أوسع حيث صنفت الولايات المتحدة القطب الشمالي رسميًا كساحة تنافس جيوسياسي كما عبّرت في وثائق دفاعية حديثة عن قلق متزايد من تمدد روسيا والصين وبدأت تنظر إلى الجغرافيا القطبية كجزء من أمنها القومي المباشر. والفارق أن ترامب عبّر عن هذا التوجه بلغة مباشرة وخشنة بينما فضّلت الإدارات السابقة العمل عبر النفوذ غير المباشر والاتفاقيات الدفاعية.
ثالثًا: جرينلاند بين الحكم الذاتي وتقرير المصير
تتمتع جرينلاند بحكم ذاتي واسع مع احتفاظ الدنمارك بملفات الدفاع والسياسة الخارجية لكن داخليًا تشهد الجزيرة تصاعدًا في النزعة الاستقلالية والحساسية تجاه أي وصاية خارجية والقلق من تحوّلها إلى ساحة صراع دولي. وترفض الغالبية من الجرينلانديين فكرة “البيع” أو “الضم” ليس فقط للولايات المتحدة، بل لأي قوة خارجية وترى مستقبل الجزيرة يجب أن يُحدَّد وفق مصالح سكانها لا وفق حسابات القوى الكبرى.
رابعًا: البعد الإقليمي – الدنمارك وأوروبا أمام اختبار السيادة
بالنسبة للدنمارك لم تكن تصريحات ترامب مجرد خلاف دبلوماسي، بل تحديًا مباشرًا لمفهوم السيادة الأوروبية حيث اعتبرت الدنمارك الطرح الأمريكي غير مقبول سياسيًا وأخلاقيًا وخشيت من سابقة تعيد منطق الاستحواذ الجغرافي إلى العلاقات الدولية وترى في التصريحات تهديدًا لتماسك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
أما الاتحاد الأوروبي فقد تعامل مع الملف باعتباره مسألة تتجاوز جرينلاند إلى مستقبل النظام الدولي القائم على احترام الحدود والسيادة.
خامسًا: البعد الدولي – القطب الشمالي كساحة تنافس كبرى
1- روسيا تعتبر القطب الشمالي امتدادًا استراتيجيًا مباشرًا لأمنها القومي وقامت بتعزيز وجودها العسكري واستثمرت في الموانئ وكاسحات الجليد وربطت بين الممرات القطبية واستراتيجيتها للطاقة والتجارة.
2- الصين رغم بعدها الجغرافي تطرح الصين نفسها كـ“دولة قريبة من القطب الشمالي” وتسعى إلى الاستثمار في البنية التحتية وتأمين مصادر المعادن النادرة ودعم مبادرة “طريق الحرير القطبي”.
سادسًا: ذوبان الجليد العامل الذي غيّر قواعد اللعبة
يُعد التغير المناخي العنصر الأكثر تأثيرًا في إعادة تقييم جرينلاند فذوبان الجليد يفتح ممرات ملاحية جديدة عبر القطب الشمالي ويقلّص المسافة بين آسيا وأوروبا بنسب كبيرة ويخفض تكاليف الشحن والزمن وهذه التحولات لا تعني فقط فرصًا تجارية، بل إعادة توزيع لمراكز الثقل في التجارة العالمية.
سابعًا: الممرات القطبية الجديدة وتأثيرها على قناة السويس المصرية
1- التهديد النسبي لقناة السويس بسبب فتح ممرات قطبية بديلة قد يقلل من اعتماد بعض خطوط الشحن على قناة السويس وربما يؤثر على جزء من التجارة بين شرق آسيا وأوروبا الشمالية كما يخلق منافسة جيوسياسية غير مباشرة مع الممرات التقليدية، ولكن هذا التأثير يظل نسبيًا ومشروطًا بعدة عوامل منها:
-موسمية الملاحة القطبية.
-المخاطر البيئية والتأمينية.
-محدودية البنية التحتية في القطب الشمالي.
2- الفرص الاستراتيجية لمصر: تتمثل فى تعزيز دور قناة السويس كممر آمن ومستقر مقارنة بالممرات القطبية عالية المخاطر والاستثمار في الخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة وتوسيع دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في سلاسل الإمداد والتوريد العالمية.
وبالتالى فان التحدي القطبي لا يُضعف قناة السويس لكنه يفرض عليها إعادة تموضع استراتيجي.
ثامنًا- الموارد الطبيعية الاقتصاد في خدمة الجغرافيا حيث تحتوي جرينلاند على:
- معادن نادرة تدخل في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
- احتياطات طاقة محتملة وموارد مرتبطة بالتحول نحو الطاقة النظيفة.
ولكن استخراج هذه الموارد يظل مكلفًا ومعقدًا مما يجعلها رهانًا استراتيجيًا طويل الأمد أكثر منه مكسبًا اقتصاديًا سريعًا.
وفى الختام، فإن قضية جرينلاند ليست نزوة سياسية ولا مجرد تصريح مثير للجدل، بل تعبير واضح عن تحول هيكلى في طبيعة الصراع الدولي فعالم اليوم لم تعد فيه الجغرافيا ثابتة القيمة، بل تتغير أهميتها بتغير المناخ والتكنولوجيا والاقتصاد.
وجرينلاند قد لا تُضم لأمريكا وقد لا تُباع، ولكن المؤكد أنها أصبحت أحد مفاتيح التنافس العالمي في العقود المقبلة ، وفي الوقت ذاته يفرض هذا التحول على دول الممرات التقليدية وعلى رأسها مصر قراءة جديدة لمعادلات التجارة العالمية والاستعداد لعالم تتعدد فيه المسارات وتشتد فيه المنافسة.
وعلى الرغم من التصريحات المثيرة فإن الطريق نحو أي تغيير في الوضع القانوني لجرينلاند طويل وربما مستحيل دون موافقة شعبها وطمأنة القوى الدولية ، انها قضية ليست مجرد صراع على الأرض، بل صراع على القيم القانونية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.
الوزير المفوض الدكتور/ منجى على بدر
عضو مجلس ادارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



