الأربعاء, 11 فبراير, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

حين يتحول الإعلام والإعلامي إلى بوق لرأس المال.. هل كان يدافع هشام طلعت مصطفي عن السوق أم عن ثروته؟

محمد عبدالرحمن

في كل زمن، كان المال قوة، لكن في هذا الزمن تحديدًا، لم يعد المال مجرد وسيلة للثراء أو النفوذ الاقتصادي بل تحول إلى أداة لإعادة صياغة الوعي العام، وتوجيه “الحقيقة” كما يرغب أصحابها.

عبارة «الأثرياء يشترون النفوذ» لم تعد توصيف نظري أو اتهام أيديولوجي، بل أصبحت مشهد يومي متكرر في إعلامنا، نراه ونسمعه ونعتاده، حتى كاد يفقد غرابته.

 

وربما لم يعد خافيًا أن عدد كبير من أغنى أغنياء العالم يسيطرون بشكل مباشر أو غير مباشر على كبرى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فوفقًا لدراسات يمتلك ستة من بين أغنى عشرة أشخاص نفوذ إعلامي ويسيطروا على تدفق المعلومات، وعلى خوارزميات الرؤية، وعلى ما يجب أن يقال، وما يجب أن يطمس.

الإعلام لم يعد ناقلًا محايد بل أصبح جزء من معادلة السلطة، ومن يملك المال يستطيع أن يشتري المنصات الإعلامية، ومن يشتري المنصة يستطيع أن يحدد زاوية الرؤية، ونبرة الخطاب وحدود الأسئلة المسموح بها.

في خضم الحديث عن احتمالات وجود فقاعة عقارية، وتراجع في أسعار العقارات، يخرج أحد أكبر مطوري العقار في مصر، الملياردير هشام طلعت مصطفى عبر واحدة من أوسع وأكبر النوافذ الإعلامية انتشارًا، ليؤكد بثقة قاطعة: لا فقاعة عقارية.. ولا تراجع.. والأسعار لن تنخفض.

 

اللافت هنا ليس فقط مضمون التصريح، بل المشهد كاملًا، مداخلة طويلة، متشعبة، مليئة بالتناقضات، تمر دون سؤال واحد حاد، دون مقاطعة، دون محاولة جادة للاختبار أو التفكيك.

وعمرو أديب، الإعلامي صاحب الخبرة الطاغية، يجلس مستمعًا، منصتًا، صامتًا.. كأن دوره اقتصر على تمرير الرسالة، لا مساءلتها.

وهنا لا يمكن تجاهل السؤال البسيط والمؤلم: هل كان الصمت مهنيًا؟ أم كان صمت المصالح؟ وهل يصبح الإعلامي أسيرًا لعلاقاته مع المعلنين والممولين، حتى يفقد قدرته على السؤال؟

 

المداخلة نفسها كشفت أزمة أعمق، هشام طلعت مصطفى قال أشياء ونقيضها في دقائق معدودة: مصر تحتاج 800 ألف وحدة سنويًا.. ثم 150 إلى 200 ألف فقط

الوحدات قليلة.. ثم المعروض لا يلبي الطلب

السوق قوي.. ثم الطلب على “الريسيل” يتزايد

والتناقض هنا ليس تفصيل عابر بل علامة على خطاب دفاعي، انفعالي، مرتبك، يفتقر لمرجعية رقمية واضحة.

ولو أخذنا الأرقام بجدية، وجود أكثر من 16 مليون وحدة سكنية شاغرة، الحديث عن تصدير العقار، شكاوى شركات من ركود واضح، نجد أنفسنا أمام سؤال منطقي آخر بسيط: لو السوق بخير.. لماذا كل هذا الدفاع؟ ولماذا كل هذا القلق؟

 

الأخطر من مداخلة رجل أعمال، هو إعلام لا يناقش، لا يدقق، لا يراجع، إعلام تحول عن وعي أو دون وعي إلى محامي مصالح لا إلى صوت مجتمع.

بدل ما يسأل: من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟ أصبح يبرر، ويهون، ويدافع، ويعيد إنتاج خطاب الأغنياء كأنه الحقيقة المطلقة، وهنا تظهر واحدة من أخطر النظريات في علم السياسة والإعلام: نظرية استحواذ النخبة

حين تنجح قلة ثرية في السيطرة على مؤسسات التأثير، فتفرغ النقاش العام من مضمونه، وتعيد تعريف “المصلحة العامة” بما يخدم مصالحها الخاصة، فالإعلام يطبع الوجوه، ويصنع القبول، ويعيد تشكيل الصورة الذهنية.

وما الإعلام إلا تمهيد ناعم للتغلغل الأعمق في القرار، وفي التشريع، وفي توجيه السياسات، وهنا لا نتحدث عن مؤامرة، بل عن منطق مصالح، المال بطبيعته يبحث عن حماية نفسه وتوسيع نفوذه وتقليل المخاطر، والإعلام هو السلاح الأذكى.

 

أجمل ما كشفته المداخلة أن القضية ليست هشام طلعت مصطفى كشخص، ولا عمرو أديب كإعلامي، بل منظومة كاملة اختلط فيها المال بالإعلام، والمصالح بالخطاب العام.

من حق رجل الأعمال أن يدافع عن استثماراته، لكن من حق المجتمع أن يسأل ويناقش، وأن يحمى من التوجيه المصلحي المغلف بالإعلام.

وحين يصبح الإعلام صوت الأغنياء فقط، فلا تلوموا الناس إن فقدوا الثقة، ولا تتعجبوا إن بحثوا عن الحقيقة خارج الشاشات التليفزيون.

حين يتحول الإعلام والإعلامي إلى بوق لرأس المال.. هل كان يدافع هشام طلعت مصطفي عن السوق أم عن ثروته؟
حين يتحول الإعلام والإعلامي إلى بوق لرأس المال.. هل كان يدافع هشام طلعت مصطفي عن السوق أم عن ثروته؟

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة