لا تفشل المشروعات في عالم الأعمال، دائمًا بسبب ضعف الفكرة أو نقص التمويل، بل في كثير من الأحيان بسبب غياب إدارة المشروعات بالمعنى الحقيقي. الفكرة قد تكون ممتازة، والسوق واعد، والموارد متاحة، ومع ذلك يتعثر التنفيذ، وتتآكل الميزانيات، ويتأخر التسليم، ثم يبدأ البحث عن مبررات خارجية بينما السبب الجوهري داخلي بحت: سوء إدارة المشروع.
إن إدارة المشروعات ليست جداول زمنية ولا تقارير دورية فقط، بل هي فن الموازنة بين الوقت، والتكلفة، والجودة والمخاطر. المشروع في جوهره كيان حي، يتأثر بالقرارات الصغيرة قبل الكبيرة، وأي خلل في التخطيط المبكر أو التواصل أو توزيع الأدوار ينعكس لاحقًا في صورة أزمات يصعب احتواؤها. لهذا تُعد مرحلة ما قبل التنفيذ أخطر من التنفيذ نفسه، لأنها تحدد مسار المشروع كله، سواء نحو النجاح أو الفشل.
يعد أحد أكبر الأخطاء الشائعة هو الخلط بين الإدارة التشغيلية وإدارة المشروع. فالإدارة التشغيلية تهتم بالاستمرارية، بينما المشروع مؤقت بطبيعته وله هدف محدد ونقطة نهاية واضحة. عندما يُدار المشروع بعقلية التشغيل اليومي، تضيع الأولويات، ويتحول الهدف إلى مجرد “استمرار العمل” بدلًا من تحقيق النتائج المخططة. وهنا تبدأ الانحرافات الزمنية والمالية دون أن يلاحظها أحد في البداية.
من زاوية اقتصادية، إدارة المشروعات هي أداة لحماية رأس المال قبل أن تكون وسيلة لإنجاز العمل. كل تأخير غير محسوب يعني تكلفة إضافية، وكل تغيير غير مدروس يعني استنزافًا للموارد، وكل قرار متأخر يعني فرصة ضائعة. لذلك تنظر الشركات الكبرى والدول إلى إدارة المشروعات كأحد أعمدة الحوكمة المالية، وليس مجرد وظيفة تنفيذية في الهيكل الإداري.
يلعب العنصر البشري دورًا حاسمًا في نجاح أي مشروع. فحتى أفضل الخطط يمكن أن تنهار إذا غاب التواصل الواضح بين فرق العمل، أو لم تكن الصلاحيات محددة، أو لم يشعر كل طرف بمسؤوليته الحقيقية عن النتائج. إدارة المشروع الناجحة لا تكتفي بتوزيع المهام، بل تبني منظومة مساءلة، وتخلق لغة مشتركة بين جميع الأطراف، وتتعامل مع المشكلات فور ظهورها قبل أن تتحول إلى أزمات.
كما أن إدارة المخاطر ليست رفاهية، بل ضرورة. المشاريع لا تفشل بسبب المخاطر وحدها، بل بسبب تجاهلها أو التقليل من شأنها. عندما تُدار المخاطر بشكل استباقي، يتحول عدم اليقين من تهديد إلى متغير يمكن التحكم فيه. أما حين تُترك الأمور للصدفة، يصبح المشروع رهينة لأي صدمة خارجية، سواء كانت اقتصادية أو تنظيمية أو حتى بشرية.
في السنوات الأخيرة، ومع تعقد المشروعات وزيادة تشابكها مع التمويل والتكنولوجيا والأسواق، لم تعد إدارة المشروعات مهارة إدارية فقط، بل أصبحت أداة استراتيجية. الدول التي تنجح في تنفيذ مشروعاتها القومية في الوقت والتكلفة المحددين، لا تفعل ذلك بالصدفة، بل عبر أنظمة صارمة لإدارة المشروعات، تربط بين التخطيط والتمويل والمتابعة والتقييم المستمر.
إدارة المشروعات ليست ترفًا تنظيميًا ولا عبئًا إداريًا، بل هي الفارق الحقيقي بين فكرة تبقى حبرًا على ورق، ومشروع يرى النور ويحقق عائدًا اقتصاديًا ملموسًا. وفي عالم يتسم بندرة الموارد وارتفاع المخاطر، تصبح الإدارة الجيدة للمشروعات واحدة من أهم أدوات الاستدامة والنمو، سواء على مستوى الشركات أو الاقتصادات بالكامل.
د.خالد سيد محمد
استشارى الإدارة والتسويق
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



