الأربعاء, 11 فبراير, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

محمد عبدالرحمن يكتب: حين يبكي الإعلامي المليونير على ضريبة القصور والهواتف.. لا على الطماطم

الكاتب الصحفي محمد عبدالرحمن

في الصباح الباكر، قبل أن تفتح المحلات أبوابها، وقبل أن يبدأ زحام الشوارع، يقف الناس أمام أسعار جديدة كل يوم، كيلو الطماطم لا يشبه سعره أمس، وكرتونة البيض أصبحت عبء، وزجاجة الزيت تحولت إلى قرار اقتصادي داخل البيت.

في هذا التوقيت لا يسأل أغلب المصريين عن الذهب ولا الفضة، ولا عن أحدث هاتف ولا عن الضرائب بل يسألون سؤال واحد هنكمل الشهر إزاي؟
ووسط هذا الواقع يخرج علينا إعلاميون ورجال أعمال وسياسيون، يتحدثون بحرارة شديدة.. لكن ليس عن الفقراء بل عن حقوق الأغنياء.

فحين يدافع الإعلام عن الأغنياء وحين يتحمس لرفاهية القادرين، يصبح من حق الناس أن تسأل، ليس كرهًا في أحد، ولا تحريضًا على أحد، بل بحثًا عن عدالة غائبة في بلد أغلب سكانه يعانون من ظروف اقتصادية صعبة، فالدفاع عن الثروة ليس بطولة، والسكوت عن العدالة ليس حيادًا.

ولأننا نتحدث عن الاقتصاد لا عن المصالح ولأننا نهتم بدعم الفقراء لا الأغنياء، لا أرى أي مبرر لكل هؤلاء الذين خرجوا ليهاجموا الضريبة العقارية أو إلغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف المستوردة، في بلد تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن 32.5% من سكانه تحت خط الفقر، يصبح من العبث أن ترفع الأصوات للدفاع عن امتيازات لا تخص إلا القلة.
ولأننا قبل أن نستمع إلى الكلام يجب أولًا أن نسأل: من هو الذي يتحدث؟ الإعلامي بدرجة مليونير، ورجل الأعمال الملياردير نجيب ساويرس، كلاهما انتقد لكن السؤال الأهم ليس ما قالوه، بل لماذا قالوه.
هنا يصبح التحليل واجب لأن الاقتصاد لا يقرأ من زاوية الانطباعات ولا من حرارة الخطابات، بل من لغة الأرقام التي لا تعرف المجاملة، فحين يتحدث إعلامي يملك ثروة تكفيه لشراء عشرات الهواتف الفاخرة، أو ملياردير يبني كومبوندات تتجاوز قيمتها المليارات، فإن دفاعهم عن “المواطن البسيط” يبدو أقرب إلى مسرحية من كونه موقفًا صادقًا.
ولآن الاقتصاد هو لغة الأرقام لا لغة الانطباعات، والأرقام تقول إن السوق المصري يستهلك سنويًا نحو عشرين مليون جهاز هاتف جديد، كانت تكلف الدولة أكثر من ملياري دولار في الاستيراد، بينما الطاقة الإنتاجية للمصانع المصرية باتت قادرة على تغطية كامل احتياجات السوق.
والأرقام تقول أيضًا إن أكثر من 75% من المصريين يستخدمون هواتف لا يتجاوز سعرها عشرة آلاف جنيه، فهل المواطن البسيط أو متوسط الحال هو من يقتني الهواتف التي تصل أسعارها إلى سبعين أو ثمانين ألفًا؟.. هل يهتم المواطن بالغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف المستوردة من الخارج؟.. أظن بل أظن أنه من الطبيعي أن تفرض الضرائب على تلك الفئات، لا لأنها مظلومة بل لأنها قادرة، ولأن العدالة تقتضي أن يعاد توجيه هذه الأموال إلى التعليم والصحة ودعم الفقراء.

 

ومثلما هو الحال في قضية الهواتف، يخرج علينا السادة ليهاجموا الضريبة العقارية على المساكن الخاصة التي تتجاوز قيمتها ثمانية ملايين جنيه، في اللحظة الأولى يبدو الأمر وكأنه مساس بحق المواطن، لكن قليلًا من التفكير يكشف أن الضريبة لا تطال الفقراء ولا حتى الطبقة المتوسطة، بل تطال أصحاب القصور والكومبوندات الفارهة في التجمع والساحل والجونة.
ومن الطبيعي أن يغضب الملياردير الذي يبني المشاريع، لأن الضريبة الجديدة في حال تطبيقها، قد تجعل المشترين يعيدون حساباتهم قبل الشراء، وقد تؤثر على المبيعات، لكن هذا ليس ظلمًا بل هو جوهر العدالة الاقتصادية، بل إن الضريبة يجب أن تكون أكبر مما هو مقترح، لأن الوطن لا يبنى إلا حين يدفع القادر أكثر، ليحيا الفقير بكرامة.

وهنا أسال السؤال الحقيقي: هل هؤلاء يدافعون عن العدالة الاجتماعية، أم عن مصالحهم الخاصة؟ إن النقد هنا ليس شخصيًا، بل تحليليًا، لأن من يملك الثروة لا يمكن أن يتحدث بلسان من لا يجد ثمن كيلو طماطم.

وما يثير الدهشة حقًا هو أن البعض يرفعون شعارات الدفاع عن الفقراء بينما هم في الحقيقة يحمون مصالح الأغنياء، كلماتهم تبدو معسولة لكنها تخفي سمًا في العسل، يصرخون ضد الضرائب وكأنها سيف مسلط على رقاب البسطاء، بينما الحقيقة أن الضرائب لا تمس إلا من يملك الثروة.

كنت أتحدث مع صديقي، قال لي جملة موجعة: “الجشع بقى هو المحرك الأساسي في المجتمع، وفي ناس مش شايفة الوطن غير من زاوية حسابها البنكي” ثم أضاف: “الأوطان لا تبنى بمن يحمي الثروة، بل بمن يحمي العدالة.”

صديقي لا يهتم إن أُلغي إعفاء على هاتف ثمنه خمسون ألف جنيه، لأنه ببساطة لا يقترب من هذا العالم، ما يهمه هو سعر الطماطم، والفراخ، والأرز، والزيت، والسكر، وياميش رمضان، والزيادة السنوية، والتأمين الصحي. وفي النهاية سألني: “هو ده وطنهم.. ولا وطننا؟

وانا أقول له الآن هو وطننا ووطنهم ولكن يجب أن تحكمنا وتحكمهم العدالة

 

محمد عبدالرحمن يكتب: حين يبكي الإعلامي المليونير على ضريبة القصور والهواتف.. لا على الطماطم
محمد عبدالرحمن يكتب: حين يبكي الإعلامي المليونير على ضريبة القصور والهواتف.. لا على الطماطم

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة