لجأت مصر خلال السنوات الأخيرة إلى رفع أسعار الفائدة بشكل كبير كأداة رئيسية لمواجهة واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي مرت بها، والمتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة. وقد كان الهدف من هذه السياسة واضحًا، وهو استعادة الاستقرار النقدي، والسيطرة على التضخم، وجذب التدفقات المالية، وهي أهداف ضرورية لأي اقتصاد يسعى إلى استعادة توازنه. لكن مع مرور الوقت، بدأ سؤال أكثر تعقيدًا يفرض نفسه: هل نجحت سياسة الفائدة المرتفعة في تحقيق الاستقرار دون تكلفة كبيرة، أم أن آثارها الجانبية خلقت تحديات جديدة قد تؤثر على النمو الاقتصادي لسنوات مقبلة؟
من الناحية النظرية، تمثل أسعار الفائدة أحد أهم أدوات السياسة النقدية، حيث يؤدي رفعها إلى تقليل الطلب على الاقتراض، ومن ثم خفض الضغوط التضخمية. كما أنها تجعل الاستثمار في العملة المحلية أكثر جاذبية، ما يساعد على استقرار سعر الصرف. وقد ساهمت هذه السياسة بالفعل في تقليل حدة الضغوط على العملة، وساعدت على استعادة قدر من الثقة في النظام النقدي. لكن هذه النتائج، رغم أهميتها، لم تأتِ دون تكلفة، لأن الفائدة المرتفعة لا تؤثر فقط على التضخم، بل تمتد آثارها إلى قلب النشاط الاقتصادي نفسه.
أول هذه الآثار يظهر بوضوح في قطاع الاستثمار. فعندما ترتفع تكلفة الاقتراض، تصبح الشركات أكثر حذرًا في التوسع، لأن تمويل المشروعات الجديدة يصبح أكثر تكلفة وأقل جدوى من الناحية الاقتصادية. هذا الوضع يدفع العديد من الشركات إلى تأجيل خطط التوسع أو تقليصها، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات النمو الاقتصادي. فالاستثمار ليس مجرد نشاط اقتصادي عادي، بل هو المحرك الرئيسي لخلق الوظائف وزيادة الإنتاج، وعندما يتباطأ الاستثمار، يتباطأ معه النمو الاقتصادي ككل.
ولا يقتصر تأثير الفائدة المرتفعة على القطاع الخاص، بل يمتد أيضًا إلى المالية العامة للدولة. فالحكومات، مثلها مثل الشركات، تعتمد على الاقتراض لتمويل جزء من إنفاقها. وعندما ترتفع أسعار الفائدة، ترتفع معها تكلفة خدمة الدين، ما يعني أن جزءًا أكبر من الموازنة العامة يذهب لسداد الفوائد بدلًا من توجيهه إلى الإنفاق على البنية التحتية أو التعليم أو الصحة. هذا التحول في هيكل الإنفاق العام قد يحد من قدرة الدولة على تنفيذ سياسات تنموية طويلة الأجل، ويجعل الاستقرار المالي أكثر تكلفة.
كما أن الفائدة المرتفعة تخلق مفارقة اقتصادية مهمة، حيث تصبح الأدوات المالية أكثر جاذبية من الاستثمار الإنتاجي. فعندما تقدم البنوك عوائد مرتفعة على الودائع، قد يفضل بعض المستثمرين الاحتفاظ بأموالهم في أدوات مالية منخفضة المخاطر بدلًا من توجيهها إلى مشروعات إنتاجية تتطلب وقتًا وجهدًا وتحمل درجة أعلى من المخاطر. هذا الوضع قد يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ”إزاحة الاستثمار”، حيث تتجه الأموال نحو الأنشطة المالية بدلًا من الأنشطة الإنتاجية، وهو ما يضعف قدرة الاقتصاد على النمو على المدى الطويل.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن رفع أسعار الفائدة كان في كثير من الأحيان ضرورة، وليس خيارًا. فترك التضخم دون سيطرة كان يمكن أن يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، وفقدان الثقة في العملة، وحدوث اضطرابات اقتصادية أعمق. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن سياسة الفائدة المرتفعة نجحت في تحقيق هدفها الأساسي، وهو استعادة قدر من الاستقرار النقدي. إلا أن هذا النجاح يظل جزئيًا، لأنه يعالج أعراض الأزمة أكثر مما يعالج جذورها.
الواقع أن السياسة النقدية، مهما كانت فعاليتها، لا يمكنها وحدها خلق نمو اقتصادي مستدام. فالنمو الحقيقي يعتمد في المقام الأول على الإنتاج، والاستثمار، وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد. وهذا يتطلب دورًا أكبر للسياسات الاقتصادية الأخرى، خاصة تلك التي تستهدف دعم الصناعة، وتعزيز الصادرات، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
في النهاية، يمكن النظر إلى سياسة الفائدة المرتفعة باعتبارها أداة ضرورية لتحقيق الاستقرار في مرحلة الأزمة، لكنها ليست أداة كافية لتحقيق النمو. فالاستقرار النقدي يمثل الخطوة الأولى فقط، وليس الهدف النهائي. والتحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد المصري اليوم لا يتمثل في السيطرة على التضخم أو استقرار العملة فحسب، بل في الانتقال من مرحلة الاستقرار الدفاعي إلى مرحلة النمو الإنتاجي، حيث يصبح الاستثمار والإنتاج، وليس أسعار الفائدة، هما المحرك الرئيسي للاقتصاد.
رضــــــــا شـعبـــــان
خبير الاقتصاد وأسواق المال
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



