الجمعة, 20 فبراير, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

مصر 2026: من اقتصاد الريع إلى الإنتاجية المستدامة… الفرصة التاريخية الأخيرة

على الرغم من أن مصر تسجل معدل نمو اقتصادي يقترب من 5.3%، فإن هذا النمو يخفي وراءه هشاشة هيكلية عميقة. فمصادر النقد الأجنبي الرئيسية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، وعوائد قناة السويس، وهي جميعها موارد ذات طبيعة ريعية تعتمد على عوامل خارجية أكثر من اعتمادها على قدرة الاقتصاد الداخلية على الإنتاج. هذه البنية تجعل الاقتصاد عرضة لصدمات مفاجئة، سواء كانت جيوسياسية أو مالية أو مرتبطة بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو ما ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة عندما تراجعت بعض هذه التدفقات فجأة، لتكشف أن النمو الرقمي لا يعكس بالضرورة قوة هيكلية حقيقية.

 

المعضلة الأساسية هنا ليست في معدل النمو نفسه، بل في نوعية هذا النمو. فالاقتصادات القوية لا تقاس فقط بسرعة توسعها، بل بقدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية، وتوليد وظائف إنتاجية، وتعزيز تنافسيتها العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن اللحظة الحالية تمثل نقطة تحول تاريخية، حيث تقف مصر أمام خيارين: إما الاستمرار في نموذج اقتصادي يعتمد على تدفقات خارجية غير مستقرة، أو الانتقال إلى نموذج إنتاجي معرفي مستدام، يكون فيه الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار هي المحرك الرئيسي للنمو.

 

يبدأ هذا التحول من قطاع الطاقة، الذي يمثل العمود الفقري لأي اقتصاد إنتاجي. الاعتماد الكبير على النفط والغاز، رغم أهميته، يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. لكن مصر تمتلك في المقابل ميزة تنافسية استثنائية تتمثل في موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية التي تؤهلها لتصبح قوة إقليمية في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. الاستثمار في هذه المجالات لا يعني فقط تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بل يفتح الباب أمام خلق صناعات جديدة بالكامل، من تصنيع مكونات الطاقة إلى تطوير شبكات كهرباء ذكية وتقنيات التخزين، وهو ما يخلق وظائف جديدة ويخفض تكاليف الإنتاج الصناعي، ويعزز الاستقلالية الاقتصادية على المدى الطويل.

 

ولا يقل قطاع الصناعة أهمية عن الطاقة، بل يمثل الاختبار الحقيقي لقدرة الاقتصاد على التحول الإنتاجي. فالصناعة ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي المنصة التي تتحول فيها المعرفة إلى قيمة اقتصادية. التحدي الحالي يتمثل في ضعف سلاسل القيمة المحلية، واعتماد جزء كبير من الإنتاج على مكونات مستوردة، وهو ما يقلل من القيمة المضافة المحلية. لكن إعادة بناء قاعدة صناعية حديثة تعتمد على التخصص، والتكنولوجيا، والأتمتة، وربط الإنتاج بالأسواق العالمية، يمكن أن يحول مصر إلى مركز صناعي إقليمي، خاصة في الصناعات التي تتمتع فيها بميزة نسبية مثل الصناعات الغذائية، والكيماوية، والهندسية، والطاقة الجديدة.

 

ويمتد التحول الإنتاجي أيضًا إلى قطاع الزراعة، الذي يواجه تحديات مزدوجة تتمثل في محدودية الموارد المائية، وانخفاض الإنتاجية مقارنة بالمعايير العالمية. لكن التكنولوجيا توفر فرصة تاريخية لتجاوز هذه القيود، من خلال الزراعة الذكية، وأنظمة الري الحديثة، والتوسع في الصناعات الغذائية التحويلية. القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تأتي فقط من إنتاج المواد الخام، بل من تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، وهو ما يمكن أن يحول الزراعة من قطاع تقليدي منخفض الإنتاجية إلى قطاع استراتيجي يساهم في الأمن الغذائي ويعزز الصادرات.

 

وفي قطاع السياحة، ورغم أن مصر تمتلك أحد أغنى المخزونات الحضارية في العالم، فإن الاعتماد المفرط على السياحة التقليدية يحد من إمكانات النمو. المستقبل يكمن في تنويع المنتج السياحي ليشمل السياحة الثقافية الحديثة، والسياحة البيئية، والسياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات، مدعومة ببنية تحتية متطورة وتسويق رقمي عالمي. هذا التحول لا يزيد فقط من الإيرادات، بل يجعل القطاع أكثر استقرارًا وأقل عرضة للصدمات.

 

أما قطاع النقل والخدمات اللوجستية، فيمثل أحد أعظم الفرص غير المستغلة بالكامل. الموقع الجغرافي الفريد لمصر يمنحها ميزة تنافسية طبيعية لتكون مركزًا لوجستيًا عالميًا. لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب تطوير الموانئ، وربطها بالمناطق الصناعية، وتبني نظم رقمية حديثة لإدارة التجارة وسلاسل الإمداد. عندما تصبح تكلفة نقل السلع أقل وأكثر كفاءة، فإن القدرة التنافسية للصادرات ترتفع تلقائيًا، وهو ما يعزز النمو الاقتصادي بشكل مستدام.

 

ويأتي التحول المالي كعنصر مكمل لهذا التحول الإنتاجي. فالنظام المالي ليس مجرد وسيط لتداول الأموال، بل هو أداة لتوجيه الموارد نحو الاستثمار الإنتاجي. التحول نحو الخدمات المالية الرقمية، وتوسيع الشمول المالي، وتطوير أسواق رأس المال، يمكن أن يحرر إمكانات هائلة، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل المحرك الرئيسي للتوظيف والابتكار في أي اقتصاد حديث.

 

لكن التحول الأكثر أهمية على الإطلاق هو التحول نحو اقتصاد المعرفة. في العصر الحديث، لم تعد الثروة تُقاس فقط بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على إنتاج المعرفة وتطبيقها. الاستثمار في التعليم التكنولوجي، ودعم البحث العلمي، وبناء منظومة ابتكار متكاملة، يمكن أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا. القيمة الحقيقية للاقتصاد في المستقبل لن تأتي من تصدير المواد الخام، بل من تصدير الأفكار، والبرمجيات، والتكنولوجيا.

 

في جوهر الأمر، فإن القضية ليست مجرد إصلاح قطاع معين، بل إعادة صياغة النموذج الاقتصادي بالكامل. الاقتصاد الريعي قد يوفر نموًا سريعًا في بعض الفترات، لكنه لا يوفر استقرارًا طويل الأجل. أما الاقتصاد الإنتاجي، فهو يبني قوته من الداخل، ويخلق دورة نمو مستدامة قائمة على الإنتاج، والتصدير، والابتكار.

 

تمثل اللحظة الحالية نافذة تاريخية نادرة. فمصر تمتلك كل المقومات الأساسية: موقع استراتيجي، سوقًا كبيرة، موارد بشرية شابة، وبنية تحتية شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية. لكن تحويل هذه المقومات إلى قوة اقتصادية حقيقية يتطلب تحولًا حاسمًا في فلسفة النمو، من الاعتماد على التدفقات الخارجية إلى بناء اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة والتكنولوجيا.

 

لم يعد هذا التحول خيارًا تنمويًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وجودية. فالدول التي تفشل في التحول إلى اقتصادات إنتاجية معرفية، تجد نفسها عالقة في دائرة من النمو الهش والتقلبات المستمرة. أما الدول التي تنجح في هذا التحول، فإنها لا تحقق فقط نموًا اقتصاديًا، بل تبني قوة اقتصادية مستدامة قادرة على الصمود والمنافسة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

 

إن مستقبل الاقتصاد المصري لن يتحدد بمعدل النمو في عام واحد، بل بقدرة الدولة على إعادة بناء نموذجها الاقتصادي بالكامل. الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج ليس مجرد إصلاح اقتصادي، بل هو إعادة تأسيس شاملة لمصدر القوة الاقتصادية، وفرصة أخيرة لتحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع ملموس يضمن الاستقرار والازدهار لعقود قادمة.

 

د / حـســـــــن مـــــرتــضــــى

 خـــبـيـــر أســــواق الـمـــــال

 

إنفينيتي الاقتصادية

ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.

ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.

كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة