انعقد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال الفترة من 19-23 يناير 2026 في لحظة يشهد فيها العالم تحولات جذرية في بنية النظام الدولي حيث تتشابك الأزمات الجيوسياسية مع تحديات اقتصادية عميقة وثورة تكنولوجية تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة ولم يعد المنتدى مجرد منصة للنقاش الاقتصادي بل أصبح ساحة لرسم ملامح التوازنات العالمية الجديدة وجاءت المشاركة المصرية رفيعة المستوى لتعكس توجهاً استراتيجياً واعياً بمكانة مصر في المعادلة الإقليمية والدولية وسعيها لتعظيم مكاسبها من التحولات الجارية ونعرض للآتي :-
الذكاء الاصطناعي محور التحول الاقتصادي العالمي : احتل الذكاء الاصطناعي مركز الصدارة في أعمال المنتدى حيث تم التعامل معه بوصفه قوة تحويلية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وسوق العمل ونماذج الإنتاج وناقش المشاركون فرص الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات مقابل التحديات المرتبطة بالبطالة التكنولوجية واتساع فجوة عدم المساواة.
وتبرز الحاجة إلى إطار حوكمة عالمي يوازن بين الابتكار وحماية المجتمعات من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للتكنولوجيا وتواجه الاقتصادات الناشئة تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضعف البنية التكنولوجية ومحدودية نظم التدريب وتسعى مصر إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تحديث قطاعات الإنتاج والخدمات بما يتطلب إعادة هيكلة منظومة التعليم والتدريب وربطها باحتياجات الاقتصاد الرقمي.
الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية بين التفكك وإعادة التشكيل : أكدت نقاشات دافوس أن النظام التجاري العالمي يمر بمرحلة إعادة صياغة في ظل تصاعد النزعات الحمائية وتزايد استخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح سياسي (خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية) وهذا الواقع يهدد استقرار سلاسل الإمداد ويرفع تكاليف الإنتاج ويقلص فرص النمو خاصة في الاقتصادات النامية.
ويلوح خطر تفكك الاقتصاد الدولي إلى كتل متنافسة مما يعيد إنتاج منطق الحرب الباردة بصيغة اقتصادية. وتجد دول الشرق الأوسط وأفريقيا نفسها أمام ضرورة تنويع شراكاتها التجارية لتقليل المخاطر وتعزيز المرونة.
وقد أكدت مصر في دافوس التزامها بإصلاح بيئة الأعمال وتعزيز الشفافية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار بما يدعم اندماجها في سلاسل القيمة العالمية.
الطاقة والتحول المناخي ضرورة اقتصادية لا خيار بيئي: برز التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون كأحد المحاور المركزية للمنتدى حيث لم يعد الانتقال الطاقي خياراً بيئياً فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية ولكن هذا التحول يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والعدالة الاجتماعية وأمن الطاقة.
وتبرز الحاجة إلى آليات تمويل مبتكرة لدعم الدول الناشئة في التحول الطاقي دون تعريض استقرارها الاقتصادي للخطر كما يتقاطع التحول المناخي مع اعتبارات الأمن القومي والتنمية الاقتصادية خاصة في دول تعتمد على عائدات الطاقة التقليدية وتمثل مصر نموذجاً واعداً بفضل استثماراتها المتزايدة في الطاقة المتجددة وموقعها العبقرى لتكون مركزاً إقليمياً للطاقة النظيفة ونقل الكهرباء.
الأمن الجيوسياسي وسلاسل الإمداد والتوريد من إدارة الأزمات إلى بناء المرونة:
هيمنت القضايا الأمنية على نقاشات منتدى دافوس في ظل استمرار النزاعات الإقليمية وتزايد التوترات بين القوى الكبرى ولم تعد الأزمات أحداثاً استثنائية، بل أصبحت سمة دائمة للنظام الدولي مما يفرض إعادة تصميم سلاسل الإمداد والتوريد العالمية لتكون أكثر مرونة وتنوعاً وذلك باعادة توزيعها على عدد أكبر من الدول الناشئة ومنها مصر.
وتتجه الدول حاليا إلى تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على مسارات أحادية حيث تؤثر النزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا بشكل مباشر على تدفقات التجارة والطاقة والهجرة .
وفى هذا الشأن تلعب مصر دوراً محورياً في دعم الاستقرار الإقليمي وتأمين الممرات الملاحية وسلاسل الإمداد والتوريد وهو ما يعزز موقعها الاقتصادي والاستراتيجي .
قراءة في المشاركة المصرية بدافوس: أكدت المشاركة المصرية أن الاقتصاد الوطني يمر بمرحلة إعادة هيكلة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي ودعم النمو الإنتاجي وجذب الاستثمارات الأجنبية حيث تم تقديم مصر في دافوس كاقتصاد واعد يتمتع بموقع جغرافي فريد وسوق استهلاكية كبيرة وإصلاحات هيكلية متواصلة. وقد عبّر الرئيس السيسي خلال جلسات متعددة عن أهمية التعاون الدولي المشترك لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية داعيًا إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وإقامة شراكات تؤدي إلى نمو شامل كما عززت المشاركة صورة القاهرة كفاعل توازني في بيئة إقليمية مضطربة يجمع بين الدور السياسي والدور التنموي ويسعى إلى الربط بين الاستقراروالسلم والنمو الاقتصادي.
كما عكست اللقاءات المصرية أيضا توجهاً نحو تنويع الشراكات الدولية وتعميق التعاون مع المؤسسات المالية متعددة الأطراف والشركات العالمية الكبرى بما يعزز اندماج مصر في الاقتصاد العالمي.
وكان لقاء الرئيس المصري مع الرئيس الأمريكي على هامش منتدى دافوس من أبرز الأحداث وجرى مناقشة العلاقات الثنائية مع تأكيد مصر على تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بما في ذلك الجوانب الاقتصادية والاستثمارية والرغبة في توسيع التعاون ضمن أطر مؤسسية أهمها الاتفاق على عقد الدورة الثانية من المنتدى الاقتصادي المصري–الأمريكي عام 2026 ويعد اللقاء هاما سياسيًا واقتصاديًا في ظل التوترات الإقليمية إذ يجمع بين قوة تأثير مصر في القضايا الإقليمية (مثل غزة والسودان وليبيا وسد النهضة) وبين مصالح اقتصادية مشتركة مع شريك عالمي مؤثر.
أفكار جديدة لمعالجة التحديات العالمية والإقليمية: طرح منتدى دافوس بشكل مباشر وغير مباشر الحاجة إلى حلول مبتكرة لمعالجة الأزمات العالمية الراهنة من بينها:
- تطوير إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي يوازن بين الابتكار وحماية المجتمعات.
- إنشاء نموذج تمويل تنموي جديد يجمع بين التمويل العام والاستثمار الخاص والتمويل المناخي.
- إعادة صياغة العولمة عبر شبكات إقليمية مرنة تعزز المرونة دون الانغلاق.
- دمج الاعتبارات الاقتصادية في استراتيجيات تسوية النزاعات بما يجعل السلام استثماراً اقتصادياً طويل الأمد.
هذا، وجاء منتدى دافوس 2026 ليعكس لحظة هامة في تطور النظام الدولي حيث تتقاطع الأزمات مع الفرص في سياق عالمي متعدد الأطراف والتحديات ومعقد.
وقد برزت المشاركة المصرية كنموذج لدولة تسعى إلى تحويل التحولات العالمية إلى مكاسب استراتيجية عبر تعميق الإصلاحات الاقتصادية توسيع الشراكات الدولية وتعزيز دورها الإقليمي ونرى أن ترجمة نتائج المنتدى إلى سياسات تنفيذية فعالة ستكون العامل الحاسم في تحديد ملامح المرحلة المقبلة ليس فقط لمصر، بل للاقتصاد العالمي ككل.
الوزير المفوض الدكتور/ منجى على بدر
عضو مجلس ادارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



