تشير تطورات الحرب في الخليج إلى تحول ملحوظ من التصعيد العسكري إلى ما يمكن وصفه بـ“إدارة الصراع” عبر أدوات سياسية واقتصادية وقد لعبت تصريحات الرئيس الأمريكى حول إمكانية التفاوض مع إيران دورًا محوريًا في إعادة توجيه توقعات الأسواق حيث تراجعت أسعار النفط وتذبذب الذهب غير أن هذا التحسن النسبي في المؤشرات الاقتصادية لا يعكس بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، بل يعكس تغيرًا في إدراك المخاطر في ظل استمرار فجوة واضحة بين مواقف الأطراف المتحاربة.
1-الأسواق العالمية: تراجع محسوب يعكس رهانات التهدئة حيث يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية حيث يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط ومع تصاعد الحرب ارتفعت الأسعار إلى أكثر من 110 دولار للبرميل قبل أن تتراجع بحلول 25 مارس إلى نطاق 95–102 دولار بانخفاض يتجاوز 10% خلال أيام وهذا التراجع لا يعكس تحسنًا في الإمدادات، بل يشير إلى تفريغ جزئي لعلاوة المخاطر الجيوسياسية نتيجة توقعات التهدئة السياسية.
وشهد الذهب مسارا غير تقليدي حيث تراجع بأكثر من 20% من ذروته خلال الأزمة قبل أن يتعافى جزئيًا إلى حدود 4500 دولار للأونصة ويعكس ذلك تحولًا في سلوك المستثمرين وخاصة البنوك المركزية حيث لم يعد الذهب يتحرك فقط كملاذ آمن، بل أصبح مرتبطًا بعوامل مثل أسعار الفائدة، وقوة الدولار وتوقعات التضخم والطاقة.
2-الموقف الأمريكي–الإسرائيلي: تعكس التصريحات الأمريكية خاصة من الرئيس الأمريكى توجهًا نحو التهدئة لكن في إطار تسوية مشروطة تهدف إلى إعادة تشكيل التوازن الإقليمى وملامح هذا الموقف تتمثل فى طرح مبادرة سياسية متعددة البنود (15 بند) لوقف الحرب وتأجيل الضربات العسكرية لإتاحة المجال للتفاوض والتأكيد على تحقيق أهداف عسكرية مهمة خلال العمليات السابقة وتقليص القدرات العسكرية الإيرانية خاصة الصاروخية وتأمين الملاحة في مضيق هرمز ومنع أي تهديد مستقبلي والحد من النفوذ الإقليمي لإيران في الخليج ولبنان وربط التهدئة بملفات أوسع مثل البرنامج النووي.
وتسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحويل نتائج العمليات العسكرية إلى مكاسب سياسية طويلة الأجل وليس مجرد وقف مؤقت للحرب .
بينما يتسم الموقف الإيراني بالحذر حيث لم ترفض طهران التفاوض لكنها ترفض الدخول فيه بشروط تعتبرها غير متوازنة وأهم ملامح الموقف الإيراني : نفي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة واستمرار العمليات العسكرية المحدودة والتأكيد على مبدأ “السيادة والردع” وشملت المطالب الايرانية وقف فوري وكامل للهجمات العسكرية قبل بدء أي تفاوض والحصول على ضمانات أمنية واضحة بعدم تكرار الضربات وتخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية (الافراج عن الأموال المجمدة) والاعتراف بالدور الإقليمي لإيران وعدم تقليصه بشكل جذري.
وتسعى إيران إلى التفاوض من موقع توازن وليس كطرف خاسر وهنا تبرز فجوة التفاوض رغم وجود مؤشرات على رغبة مشتركة في التهدئة ولاتزال العقبة الأساسية تتمثل في تسلسل خطوات التفاوض حيث تفضل الولايات المتحدة بدء التفاوض بالتوازي مع التهدئة بينما إيران تشترط وقف العمليات أولًا ثم الدخول في مفاوضات وهذه الفجوة الإجرائية تعكس في جوهرها فجوة ثقة عميقة تجعل أي اتفاق سريع أمرًا معقدًا رغم الضغوط الاقتصادية والسياسية على جميع الأطراف .
3-معوقات إنهاء الحرب تشمل التضارب فى التصريحات حيث واشنطن تؤكد وجود مفاوضات بينما تنفى طهران أي تفاوض مباشر وكذا استمرار العمليات العسكرية وضربات متبادلة في الخليج ولبنان ونشر قوات إضافية أمريكية وتعقيد الصراع بسبب تعدد الأطراف (أمريكا – إيران – إسرائيل – أطراف إقليمية) وارتباط الحرب بملفات أوسع (النووي – النفوذ الإقليمي) .
4-الاقتصاد العالمي: استجابت الأسواق سريعًا لإشارات التهدئة من حيث تحسن مؤشرات الأسهم العالمية وتراجع نسبي في الضغوط التضخمية وعودة جزئية لشهية رجال الأعمال للمخاطرة، ولكن هذه المؤشرات الإيجابية جاءت فى ظل ارتياح مؤقت وبيئة غير مستقرة.
وعليه ، فقد انتقل الاقتصاد العالمي من “صدمة طاقة ” إلى “مرحلة عدم يقين” مع الاعتماد بشكل كبير على المسار السياسي للأزمة الذي يرجح استمرار تهدئة مؤقتة مع مفاوضات غير مباشرة دون حسم سريع مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة .
كما تكشف تطورات الحرب في الخليج حتى الآن أن التراجع في أسعار النفط والذهب لا يعكس نهاية الصراع بل يعكس تحولًا في التوقعات نحو التهدئة ومع ذلك فإن التباين الواضح بين الموقفين الأمريكي–الإسرائيلي والإيراني بشأن شروط بدء التفاوض يشير أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال صعبا ويمكن القول إن العالم يقف أمام لحظة دقيقة حيث تتحرك الأسواق على وقع التصريحات السياسية خاصة تصريحات الرئيس الأمريكى بينما تبقى المعادلة العسكرية قائمة وبين التفاؤل الحذر والواقع الميداني تظل الأيام القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التهدئة تمثل بداية نهاية الحرب أم مجرد استراحة قصيرة في صراع ممتد وهي مرحلة قد تحسمها قرارات سياسية خلال أيام قليلة لا تطورات ميدانية فقط.
الوزير المفوض الدكتور/ منجى على بدر
عضو مجلس ادارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة
إنفينيتي الاقتصادية
ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.
ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.
كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.



