الأربعاء, 11 فبراير, 2026
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن
رئيس مجلس الإدارة
د. إسلام جمال الدين


المشرف العام
محمد عبدالرحمن

لماذا انهار الذهب في يناير 2026؟ تحليل لأزمة السيولة والرافعة المالية

الدكتور إسلام جمال الدين

شهدت أسواق الذهب والفضة انهيارًا حادًا خلال جلستي 29 و30 يناير 2026، في توقيت يبدو متناقضًا تمامًا مع المنطق الاستثماري التقليدي، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتواصل البنوك المركزية شراء الذهب بكثافة، ويزداد الشك في متانة النظام النقدي العالمي. ومع ذلك، انهارت أسعار المعدنين النفيسين بعنف.

 

وهنا يطرح سؤال هام كيف يحدث ذلك؟

 

الإجابة لا تكمن في فقدان الذهب لقيمته الجوهرية، بل في الطريقة التي يجري بها تداوله في الأسواق المالية الحديثة، وتحديدًا في منظومة التداول بالهامش والرافعة المالية التي تحول المعادن النفيسة من ملاذ آمن إلى أداة تسييل قسرية في لحظات الأزمة.

 

بداية القصة في سوق الأسهم الأمريكية

 

بدأت القصة من سوق الأسهم الأمريكية في جلسة الخميس الماضي 29 يناير، تعرض قطاع التكنولوجيا لهبوط حاد قادته خسائر عنيفة في سهم مايكروسوفت. مما أدى إلى انهيار مؤشر ناسداك، وخسرت الصناديق والمستثمرون المؤسسون مليارات الدولارات في ساعات قليلة.

 

ولم تبق الخسائر محصورة في سوق الأسهم حيث انتقلت فورًا إلى منظومة التمويل بالهامش التي تعتمد عليها المؤسسات المالية الكبرى. تحول الهبوط السعري إلى ضغط مباشر على ميزانيات المراكز الممولة بالديون، ما أطلق سلسلة من نداءات الهامش (Margin Calls) التي أجبرت المستثمرين على تسييل أصول أخرى بسرعة.

 

ماذا يعني الشراء بالهامش؟

 

الشراء بالهامش يعني أن المستثمر يتحكم في أصول تفوق رأسماله الفعلي بأضعاف، مستخدماً أموالاً مقترضة من الوسيط المالي حيث يسمح هذا النظام بتضخيم الأرباح المحتملة، لكنه يضخم الخسائر بنفس النسبة.

عندما تنخفض قيمة الأصول الممولة بالاقتراض، يفعل نداء الهامش تلقائيًا حيث يطالب الوسيط المالي المستثمر بضخ سيولة فورية لتغطية الفجوة بين قيمة الأصول الحالية والحد الأدنى المطلوب للضمان. إذا فشل المستثمر في توفير السيولة خلال ساعات قليلة، تغلق مراكزه قسريًا بأسعار السوق الحالية مهما كانت.

وفي هذه اللحظة الحرجة، لا يكون القرار استثماريًا يعتمد على تحليل الأساسيات أو التوقعات المستقبلية حيث إنه في هذه الحالة يكون قرار محاسبي بحت: توفير النقد فورًا بأي وسيلة ممكنة، وإلا ستخسر كل شيء.

 

 الأصل الأسرع تسييلاً الذهب

 

ولقد احتاج المستثمرون المؤسسون والصناديق الكبرى أمام هذا الضغط المحاسبي العنيف، إلى تسييل أصول بسرعة قصوى. الأسهم كانت منهارة ولا يمكن بيعها بأسعار معقولة. السندات أقل سيولة في المدى الزمني القصير جدًا وتتطلب وقتًا أطول للتسوية.

 

ولا شك أن الذهب، سواء كان عبر العقود الآجلة أو الصناديق المتداولة (ETFs)، هو الأصل الأسرع والأسهل تسييلاً. يمكن بيع عقود الذهب الآجلة خلال دقائق، ويمكن تسييل حصص في صناديق الذهب المتداولة بنفس سرعة بيع الأسهم.

 

وقد أظهرت بيانات صناديق الذهب المتداولة، وعلى رأسها SPDR Gold Trust (GLD)، نشاطًا تداوليًا استثنائيًا خلال تلك الجلسات، مع قفزات حادة في أحجام التداول مقارنة بمتوسطات الأسابيع السابقة. ولم يكن هذا تعبيرًا عن ضعف في القيمة الجوهرية للذهب، بل انعكاسًا لدوره كأداة بيع سريع تحت ضغط السيولة الشديد.

 

كما كشفت بيانات الفائدة المفتوحة (Open Interest) في سوق العقود الآجلة عن انخفاض حاد خلال جلسة الجمعة 30 يناير، وهو ما يعكس بوضوح حجم التسييل القسري الكبير الذي شهدته السوق، حيث أغلقت آلاف المراكز دفعة واحدة تحت ضغط نداءات الهامش.

 

 انهيار سوق المعادن الورقي

 

إن موجة التسييل الناتجة عن نداءات الهامش من أسواق الأسهم لم تكن سوى الضربة الأولى. أما الضربة الثانية، والأقوى، جاءت من داخل سوق المعادن الورقي نفسه.

ويتميز سوق المعادن الآجل بمستويات رافعة مالية مرتفعة جدًا حيث يتحكم متداولون برؤوس أموال محدودة في عقود ضخمة تفوق رأسمالهم الفعلي بعشرات الأضعاف. يجعل هذا النظام السوق شديد الحساسية لأي تغيير مفاجئ في القواعد التنظيمية أو متطلبات الهامش.

 

وحسب الإخطارات التنظيمية الصادرة عن بورصة شيكاغو للسلع (CME) وتحت رقابة هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC)، تم رفع متطلبات الهامش وتقليص الرافعة المالية المتاحة للمتداولين خلال الفترة نفسها.

 

جاءت هذه الإجراءات ضمن مسار تنظيمي عالمي أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي والحد من المخاطر النظامية في أسواق السلع. وعلى ما يبدو أن الهدف نبيل نظريًا، لكن أثره الفوري كان مدمرًا على المتداولين الحاليين. أجبر آلاف المتداولين على خيارين قاسيين: إما ضخ سيولة إضافية فورًا لتلبية المتطلبات الجديدة، أو الخروج من السوق بسرعة قبل إغلاق مراكزهم قسريًا بخسائر أكبر.

 

وقف الخسارة آليًا

 

إن معظم المراكز المفتوحة بالرافعة المالية العالية كانت محمية بأوامر وقف خسارة آلية (Stop-Loss Orders). تضبط هذه الأوامر عند مستويات سعرية محددة، وعندما يكسر السعر هذا المستوى، تنفذ الأوامر تلقائيًا. وتكمن المشكلة في أن معظم هذه الأوامر كانت متقاربة جدًا في مستوياتها السعرية، لأن المتداولين يستخدمون تحليلات فنية مشابهة ويضعون حدودهم عند نفس المستويات تقريبًا.

 

حينما بدأ السعر في الانخفاض بسبب موجة البيع الأولى، كسرت المستويات الأولى من أوامر وقف الخسارة. تحولت هذه الأوامر إلى موجة بيع جديدة دفعت السعر للانخفاض أكثر. كسر الانخفاض الإضافي المستوى الثاني من أوامر وقف الخسارة، مما خلق موجة بيع ثالثة، وهكذا.

 

لقد انفجرت الأوامر بشكل متتابع كأحجار الدومينو، في حلقة مفرغة من البيع القسري المتسارع. كل موجة بيع تولد موجة أكبر منها، حتى استنزف السوق كل السيولة المتاحة عند المستويات السعرية المعقولة. كما

انخفضت الفائدة المفتوحة لعقود الذهب والفضة الآجلة بشكل حاد خلال 24 ساعة فقط. يعكس هذا الانخفاض حجم التسييل القسري الهائل الذي شهده السوق.

 

أزمة السيولة في جائجة كورونا

 

إن هذا النمط من الانهيار ليس جديدًا على الأسواق المالية، حيث حدث سيناريو مشابه جدًا في مارس 2020 خلال ذروة أزمة السيولة العالمية الناتجة عن جائحة كوفيد-19. اضطرت مؤسسات مالية كبرى في وقتها إلى بيع الذهب بكميات ضخمة لتغطية خسائر في أسواق الأسهم والسندات. رغم أن البيئة الاقتصادية آنذاك كانت داعمة بقوة لصعود الذهب (طباعة نقود غير مسبوقة، معدلات فائدة صفرية، اضطراب عالمي)، انخفض سعر الذهب بعنف لأسابيع قليلة.

 

لكن ما حدث بعد ذلك يحمل الدرس الأهم: بعد انحسار أزمة السيولة، دخل الذهب في واحدة من أقوى موجات الصعود في تاريخه الحديث. ارتفع من حوالي 1,450 دولار للأونصة في مارس 2020 إلى أكثر من 2,070 دولار في أغسطس من نفس العام. ويؤكد هذا السلوك التاريخي أن البيع القسري في لحظات الضغط الشديد لا يعكس ضعف الأصل أو تراجع قيمته الجوهرية، بل يعكس اختلالاً مؤقتًا في النظام المالي المحيط به.

 

صعود الدولار عامل ثانوي

 

زاد الضغط البيعي على الذهب في جلسة الجمعة مع صعود الدولار الأمريكي عقب الإعلان عن تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي. كما أن صعود الدولار عامل معروف بتأثيره السلبي قصير الأجل على السلع المقومة بالدولار، بما فيها الذهب.

 

ولكن هذا الأثر يبقى ثانويًا وسطحيًا مقارنة بتداعيات أزمة الرافعة المالية ونداءات الهامش. قوة الدولار نفسها تقرأ على نطاق واسع باعتبارها حركة مؤقتة، في ظل استمرار العجز المالي الأمريكي الضخم وارتفاع مستويات الدين العام التي تتجاوز 36 تريليون دولار.

 

ولا شك أن التاريخ يثبت أن قوة الدولار في لحظات الأزمة قصيرة الأجل غالبًا ما تنعكس على المدى المتوسط، خاصة حين تبدأ البنوك المركزية بضخ المزيد من السيولة لإنقاذ الأسواق، ما يضعف قيمة الدولار تدريجيًا ويدفع المستثمرين للعودة إلى الملاذات الحقيقية مثل الذهب.

 

وعلى المدى المتوسط، قد تترك التغييرات التنظيمية في متطلبات الهامش والرافعة المالية أثرًا مزدوجًا على سوق المعادن.

 

الآثار الإيجابية والسلبية

 

من الآثار الإيجابية تقليل التقلبات الحادة الناتجة عن المضاربات المفرطة حين ينخفض عدد المتداولين المعتمدين على رافعات مالية ضخمة، ينخفض احتمال حدوث انهيارات مفاجئة ناتجة عن تسييل قسري جماعي.

أما الآثار السلبية فهي انخفاض السيولة في سوق الذهب الورقي، حين تصبح شروط الدخول أصعب وأغلى، يقل عدد المتداولين النشطين، ما قد يوسع الفجوة بين أسعار السوق الورقي (العقود الآجلة والصناديق المتداولة) وأسعار الذهب الفعلي (السبائك والعملات). وقد تخلق هذه الفجوة فرصًا لبعض المستثمرين، لكنها تزيد من تعقيد السوق وتجعل حركة الأسعار أقل قابلية للتنبؤ.

 

الفجوة بين الذهب الفعلي والسوق الورقي

 

إن ما حدث يكشف عن تناقض جوهري في سوق الذهب العالمي. بينما انهارت أسعار الذهب الورقي (العقود الآجلة وصناديق ETFs) بعنف، استمرت البنوك المركزية والمستثمرون المؤسسون طويلو الأجل في شراء الذهب الفعلي بكثافة.

 

البنوك المركزية حول العالم، وخاصة في الصين وروسيا والهند ودول الخليج، تواصل زيادة احتياطياتها من سبائك الذهب لأسباب استراتيجية تتعلق بالتحوط ضد تقلبات الدولار وتنويع الاحتياطيات.

 

ولا يتأثر هذا الطلب المؤسسي الضخم على الذهب الفعلي (السبائك) بتقلبات السوق الورقي قصيرة الأجل، حيث يستند إلى حسابات استراتيجية طويلة المدى حول مستقبل النظام النقدي العالمي وتراجع هيمنة الدولار التدريجي. وتعكس الفجوة بين السلوكين (بيع قسري للذهب الورقي وشراء مستمر للذهب الفعلي) انفصالاً متزايداً بين السوق المالي المضاربين والواقع الاقتصادي الاستراتيجي.

 

وهنا يظهر الدرس العملي للمستثمر الفردي: فالاستثمار في الذهب عبر الأدوات الورقية قد يخضع مؤقتًا لمنطق السيولة والتنظيم، بينما يظل الذهب الفعلي خارج هذه الدوامة، محتفظًا بوظيفته كأصل تحوطي طويل الأجل.

 

الدروس المستفادة للأفراد

 

إن ما حدث يحمل درسًا مهمًا لكل مستثمر فردي يفكر في الذهب كجزء من محفظته الاستثمارية، فالاستثمار عبر العقود الورقية أو صناديق ETFs يحمل مخاطر سيولة وتنظيمية قد تنفصل مؤقتًا عن أساسيات السعر والقيمة الجوهرية للذهب، لأنه في لحظات الأزمة الحادة، قد تضطر هذه الأدوات لبيع الذهب بأسعار منخفضة جدًا لتلبية طلبات الاسترداد، بغض النظر عن التوقعات المستقبلية.

 

ويظل امتلاك السبائك الذهبية الفعلية (أو العملات الذهبية المعتمدة) الملاذ الأقصى الذي لا يتأثر بهذه العواصف الورقية. فلا توجد نداءات هامش على السبائك المادية، ولا يمكن إغلاق مركزك قسريًا، ولا تتأثر ملكيتك بقرارات تنظيمية مفاجئة في أسواق العقود الآجلة.

 

ولا شك أن الذهب الفعلي قد يحمل تكاليف تخزين وتأمين، ويصعب تسييله بسرعة مقارنة بالأدوات الورقية. لكنه في الوقت ذاته يوفر استقرارًا وأمانًا لا يمكن للأدوات الورقية تقديمه في أوقات الأزمات الحادة.

 

انهيار مؤقت في السوق الورقي

 

إن ما جرى في اليومين الماضيين نهاية يناير 2026 لم يكن انهيارًا في قيمة الذهب أو الفضة الجوهرية، ولكنه كان كشفًا حادًا لهشاشة السوق الورقية المعتمدة على الديون والرافعة المالية العالية. فالذهب لم يتم بيعه لأنه فقد دوره التاريخي كملاذ آمن أو مخزن للقيمة، ولكن لأنه كان الأصل الأكثر سيولة في لحظة احتاج فيها النظام المالي إلى النقد بأي ثمن.

 

ويثبت التاريخ أن هذه الانهيارات المؤقتة تخلق فرص شراء استثنائية للمستثمرين الأذكياء الذين يفهمون الفرق بين تقلبات السوق قصيرة الأجل والقيمة الجوهرية طويلة الأجل. كما أن الأساسيات الداعمة للذهب لم تتغير: فالتوترات الجيوسياسية مستمرة، والديون الحكومية في ارتفاع، وتواصل البنوك المركزية الشراء، والثقة بالنظام النقدي التقليدي تتآكل تدريجيًا.

 

وستبقى هيكلية السوق والتنظيم المالي المحرك الأساسي لتقلبات الأسعار على المدى القصير. لكن على المدى الطويل، ستعود الأساسيات الاقتصادية والجيوسياسية لتفرض منطقها، كما حدث دائمًا على مر التاريخ.

 

   د. إســـلام جـــمال الــديـن شــــوقـي

   خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

 

إنفينيتي الاقتصادية

ويمكنك متابعة موقع “إنفينيتي الاقتصادية” عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على أحدث التحديثات اليومية لأسعار العملات الأجنبية والعملات العربية مقابل الجنيه، بالإضافة إلى أسعار الذهب في مصر.

ويقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” مجموعة واسعة من الخدمات تشمل: “أخبار اقتصادية، أخبار محلية، أخبار الشركات المصرية، تحليلات السوق المصرية، الأحداث الاقتصادية المهمة في مصر، أخبار اقتصادية من الدول العربية، تحليلات اقتصادية إقليمية، الأحداث الاقتصادية المهمة في العالم العربي”.

كما يقدم موقع “إنفينيتي الاقتصادية” الأحداث الاقتصادية المهمة على مستوى العالم، بالإضافة إلي خدمات توعوية، مقالات تحليلية، دراسات اقتصادية، إنفوجرافيك، فيديوهات، تحليلات أسواق المال، نصائح استثمارية، أدوات مالية”.

 

مقالات ذات صلة

الاكثر قراءة