الإعلامي نشأت الديهي يرى أن المصريين «دائمًا ما ينتقدون حكوماتهم»، وأنهم لم يصفقوا لحكومة وهي على رأس عملها عبر التاريخK لكن السؤال المنطقي الذي يجب أن يوجه إليه هو: من هو الوزير الذي قدم أداء استثنائي وملموس يستحق عليه تصفيق الناس؟
التصفيق لا يمنح بالنوايا ولا بالعمل في ظروف صعبة فقط، بل بالنتائج، المواطن لا يرفض النجاح، ولا يعادي الإنجاز، لكنه يريد أن يراه بعينه لا أن يسمعه في البرامج، والنقد هنا ليس عيبًا ولا خيانة، بل أداة رقابة شعبية في ظل غياب الشفافية الكاملة.
جوهر الأزمة في مصر ليس أن الشعب «نقاد بطبعه»، بل أن الدولة لا تعلن معايير واضحة لاختيار الوزراء أو تقييم أدائهم أو أسباب رحيلهم، وحتى الآن لا نعرف: هل الحكومة الجديدة ستكون امتدادًا لنهج الحكومة السابقة؟ أم ستأتي بسياسات مختلفة تتواكب مع البرلمان الجديد ومتغيرات الواقع؟
الواقع أن قطاع واسع من المصريين لم يعد مشغول بتعديل وزاري أو من هم الوزراء الجدد في حكومة مدبولي ما يشغلهم شئ أهم، تفاصيل غائبة عن الحكومات والسياسيين، ما يهم المواطن تفاصيل حياتهم: الأسعار، فرص العمل، الصحة، التعليم، والعدالة الاجتماعية، المواطن أصبح يعيش بلغة الفواتير.
عندما يقال إن المؤشرات تحسنت، يسأل المواطن: أين انعكس هذا التحسن على حياتي؟ وعندما يقال إن الدولة تجاوزت الأزمة، يتساءل: لماذا لا أشعر بذلك في دخلي أو مستوى الخدمات؟
وهنا لا يمكن إنكار أن الدكتور مصطفى مدبولي أدار الحكومة في واحدة من أصعب الفترات اقتصاديًا، وأن الخروج من الأزمة وفق مؤشرات الاقتصاد الكلي يعد إنجازًا حقيقي، لكن الإشكالية أن الأرقام لم تتحول بعد إلى أثر ملموس في حياة المواطن اليومية.
فالنجاح الحقيقي لأي حكومة لا يقاس فقط بتقارير المؤسسات أو نسب النمو، بل بقدرتها على خلق فرص عمل حقيقية، وتحسين الصحة والتعليم، وتطبيق القانون بعدالة.
المصريون لا يطلبون معجزات، ولا «شخصيات غير طبيعية»، بل حكومة طبيعية بمعايير واضحة، ورؤية معلنة، وأهداف قابلة للقياس، وشعارها الحقيقي هو رضا المواطن لا الاكتفاء بمؤشرات على الورق.
النقد سيستمر، وسيظل صحيًا، طالما ظل الغموض هو العنوان الأبرز لاختيار الحكومات ورحيلها، فالتغيير الحقيقي لا يكون في الوجوه والأسماء فقط، بل في السياسات والأولويات وآليات اتخاذ القرار.
تلك الأسئلة لا يطرحها المصريون بدافع العناد أو الهواية في النقد، بل لأن التجربة الطويلة علمتهم أن التغيير في الأسماء لا يعني بالضرورة تغييرًا في السياسات، وأن الحكومات كثيرًا ما ترحل دون أن يفهم الناس لماذا جاءت أو لماذا غادرت.


